سيد محمد طنطاوي
360
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : * ( فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ) * بيان لموقف بني إسرائيل الجحودى من أنبياء اللَّه - تعالى - . والضمير في قوله * ( جاءَهُمْ ) * يرى بعضهم أنه يعود لعيسى ، ويرى آخرون أنه يعود لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم أي : فلما جاء عيسى - عليه السلام - أو محمد صلى اللَّه عليه وسلم إلى بني إسرائيل بالآيات البينات الدالة على صدقه ، قالوا على سبيل العناد والجحود : هذا سحر واضح في بابه . لا يخفى على أي ناظر أو متأمل . ومن المعروف أن بني إسرائيل قد كذبوا عيسى - عليه السلام - وكفروا به ، ونسبوا إلى أمه الطاهرة ، ما هي بريئة منه ، ومنزهة عنه . كما كذبوا محمدا صلى اللَّه عليه وسلم وكفروا به ، وصدق اللَّه إذ يقول : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِه ، فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكافِرِينَ . ووصفوا ما جاء به بأنه سحر مبين ، على سبيل المبالغة فكأنهم يقولون إن ما جاء به هو السحر بعينه ، مع أنهم يعرفون أن ما جاء به هو الحق كما يعرفون أبناءهم ، ولكن ما جبلوا عليه من جحود وعناد ، حال بينهم وبين النطق بكلمة الحق . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين هم أشد الناس ظلما للحق ، وأنه - سبحانه - سيظهره لا محالة ، رضوا بذلك أم كرهوا وأن هذا الدين سيظهره اللَّه - تعالى - على بقية الأديان ، مهما كره الكافرون . فقال - تعالى - : [ سورة الصف ( 61 ) : الآيات 7 إلى 9 ] ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّه الْكَذِبَ وهُوَ يُدْعى إِلَى الإِسْلامِ واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 7 ) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّه بِأَفْواهِهِمْ واللَّه مُتِمُّ نُورِه ولَوْ كَرِه الْكافِرُونَ ( 8 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَه بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَه عَلَى الدِّينِ كُلِّه ولَوْ كَرِه الْمُشْرِكُونَ ( 9 ) والاستفهام في قوله : * ( ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّه الْكَذِبَ ) * للإنكار والنفي . والافتراء : اختلاق الكذب واختراعه من جهة الشخص دون أن يكون له أساس من الصحة ، وقوله : * ( وهُوَ يُدْعى إِلَى الإِسْلامِ ) * جملة حالية .